سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية من الأساليب التربوية المهمة في تلك المرحلة؛ من أجل الكشف عن أي مشكلة تواجه الأبناء، وتقديم الدعم اللازم لهم في مواجهتها.
ونظرًا لأن الأمر يحتاج من الوالدين قدر كاف من الوعي في التعامل مع تلك التصرفات فإليك هذه المقالة التي سنتناول خلالها الحديث عن كيفية تفسير تلك التصرفات، والتعامل الإيجابي معها.
سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية: ماذا تعني تصرفات ابنك الصامتة؟
من التغيرات الملحوظة خلال فترة المراهقة على الأبناء كثرة الصمت، فقد يعتري القلق الكثير من الآباء والأمهات حين يرون أن الابن يفضل الوحدة في غرفته، وأصبحت كلماته قليلة.
وفي الحقيقة هناك غالبًا أسباب ما وراء تلك التصرفات الصامتة؛ لأن المراهق لا يجيد التعبير عن مشاعره بطريقة صحيحة، أو ربما يشعر بعدم الأمان الكافي للتعبير عنها.
هنا يأتي دور الأسرة في التعامل مع سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية سواء كان الصمت أو تغيير نبرة الصوت أو الانسحاب الاجتماعي أو تغير نمط الحياة اليومية له.
فقد تحمل تلك الإشارات رسائل ما، مثل: حاجة المراهق إلى الدعم أو حاجته إلى الاستمتاع بمساحته الخاصة، فلا بد من التعامل مع تلك الإشارات بمزيد من الوعي؛ للتعرف على ما تخفيه.
وهنا يجب عدم الإفراط في تفسير أي سلوكيات صادرة عن المراهق بأنها ناتجة عن مشكلة ما، وأيضًا لا يجب إهمال تلك الإشارات، فلا بد من توازن؛ من أجل تعامل صحي إيجابي مع الأمر.
لماذا يتغير سلوك المراهق فجأة؟ أبرز الأسباب النفسية والسلوكية الشائعة؟
من بين الأسئلة المطروحة بكثرة من قبل الآباء: “لماذا يتغير سلوك المراهق فجأة؟”، تعد التغيرات في تلك المرحلة أمرًا طبيعيًا؛ نتيجة التغيرات الجسمانية، والفكرية، والاجتماعية.
حيث تؤثر تلك التغيرات أيضًا على سلوكيات المراهق، وليس كل تغير إنذار خطر، إلا أنه في حال استمرار التغيرات أو حدتها، هنا يجب الانتباه إلى الأمر؛ للكشف عن السبب الرئيسي.
ومن بين الأسباب الشائعة وراء تغير سلوكيات المراهقين، ما يلي:
- الرغبة في الانفصال عن الأسرة؛ من أجل تعزيز الشعور لديه بالاستقلالية.
- محاولة البحث عن ذاته ومعرفة تطلعاته المستقبلية وإعادة ترتيب أفكاره، في تلك الحالة قد يلاحظ على المراهق كثرة الصمت.
- شعور المراهق بعدم فهم مشاعره وكلامه أو الاستخفاف به من قبل المحيطين، هنا يفضل اللجوء إلى الصمت.
- قد تتسبب الضغوط الدراسية أحيانًا في حدوث تغييرات في سلوكيات أو الحالة المزاجية للمراهق.
- اتجاه المراهق إلى بناء علاقات صداقة عديدة، وأحيانًا تصبح علاقات الصداقة أكثر تأثيرًا على حياة المراهق عن بقية العلاقات الاجتماعية.
إذن يجب مراقبة سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية؛ لأنها قد تكون نابعة من أسباب ومشكلات تتطلب وجود دعم للأبناء؛ من أجل تجاوزها، وتعزيز الروابط الأسرية.
الصمت والانسحاب الاجتماعي لدى المراهقين: متى يكون طبيعيًا ومتى يستدعي الانتباه؟
عند محاولة تحليل سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية، هنا نجد أن الصمت والانسحاب الاجتماعي من أكثر السلوكيات الشائعة، إلا أنها أحيانًا تكون طبيعية لا تستدعي القلق.
فقد يحتاج بعض المراهقين إلى الانسحاب عن محيطهم؛ من أجل البحث عن ذاتهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، هنا يكون الصمت ليس دائمًا، ولا يؤثر على أداء واجباته أو علاقاته الاجتماعية.
إلا أن هناك بعض الحالات، التي قد يكون الانسحاب والصمت علامة خطر، وهنا يكون الصمت دائم دون مبرر مع انسحاب اجتماعي كامل عن الأسرة وحتى الأصدقاء، وإهمال المسؤوليات.
هنا تظهر أهمية تحليل سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية؛ للكشف عن المشكلة الكامنة وراء هذا الصمت والانسحاب، دون مراقبة مزعجة أو ضغط لإجباره على الكلام.
حيث يجب ترك مساحة آمنة للمراهق؛ للتعبير عما بداخله، مع إظهار الاهتمام بمشاعره واحتياجاته؛ لأن هناك بعض الحالات تحتاج إلى الشعور بتقدير مشاعره بالأفعال لا الكلام.
أخطاء شائعة يقع فيها الآباء عند تفسير سلوك المراهقين
عند محاولة تفسير سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية، قد يقع بعض الآباء في أخطاء؛ مما يترتب عليه نتائج عكسية تتسبب في توسيع الفجوة بين الأبناء، والآباء بدلًا من التقارب.
ومن بين أبرز تلك الأخطاء الشائعة، ما يلي:
- الاعتقاد أن وراء كل سلوك غير معتاد مشكلة ما.
- المراقبة المفرطة بشكل مزعج سلبي دون حوار إيجابي بين الطرفين.
- الإصرار على إجبار الابن على الحديث عن مشاكله.
- عدم الاهتمام أو الاستخفاف بمشاعر المراهق.
- كثرة المقارنة بين الابن وأقرانه سواء إخوته، أو أقاربه.
مثل تلك الأخطاء كفيلة أن تؤدي إلى انعزال المراهق عن عائلته؛ حيث تزداد لديه المشاعر السلبية بعدم وجود تفاهم أو أمان كافي للحديث معهم، وهنا يلجأ إلى الانسحاب، والانغلاق عنهم.
كيف تبني تواصلًا آمنًا مع ابنك المراهق دون ضغط أو استجواب؟
من مسؤوليات الآباء في مرحلة المراهقة أن يحرصوا على بناء علاقة تواصل إيجابية مع الأبناء.
فإليك بعض النصائح المهمة لبناء هذا التواصل:
- تخصيص وقت للحديث مع الابن دون توتر أو قلق.
- تجنب الأسئلة المباشرة قدر المستطاع، وذلك من خلال مشاركة نشاط بسيط.
- احترام عدم استعداد الابن للتحدث في بعض الأحيان.
- كن مستمعًا جيدًا دون مقاطعة، أو استخفاف بالكلام.
- ابتعد أيضًا عن إصدار أحكام مسبقة دون محاولة تحليل سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية.
والجدير بالذكر أن التواصل هنا لا يقصد به فقط الحديث اللفظي، أحيانًا يعني التواصل شعور الابن أن هناك مساحة آمنة للتعبير عما يحتاجه، وأن الباب مفتوح للحديث متى شاء.
متى تحتاج الأسرة إلى تدخل إرشادي لفهم سلوك المراهق بشكل أعمق؟
بعض الأسر قد تعاني من عدم القدرة على فهم سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية؛ مما قد يتسبب في توتر العلاقات، هنا يجب اللجوء إلى الدعم الإرشادي المختص.
فقد تحتاج الأسرة إلى تدخل إرشادي، في الحالات التالية:
- في حال استمرار الصمت، والسلوكيات الغريبة دون تحسن، على الرغم من محاولة معالجتها.
- العجز عن معرفة أسباب تغير السلوكيات، أو التعامل معها من قبل الوالدين.
- كثرة الخلافات حول نفس السلوكيات دون فائدة.
- نشوء خلافات أسرية ناتجة عن تغيرات سلوكيات المراهق؛ مما يؤثر بالسلب على الكيان الأسري أجمع.
هنا يعمل الإرشاد الأسري على فهم المشكلة جيدًا، والكشف عن الأسباب الكامنة وراءها؛ من أجل وضع خطط وبرامج عملية في حل تلك المشكلات، وقد تختلف البرامج حسب ظروف الحالة.
حيث يهدف الإرشاد الأسري إلى بناء علاقات أسرية مستقرة وتعزيز الروابط الأسرية والحد من الخلافات الأسرية وإدارتها بحكمة ووعي؛ لكي تخدم مصالح الأسرة، وتحافظ على كيانها.
ولهذا لا يركز الإرشاد الأسري هنا على توجيه اللوم والعتاب إلى طرف ما ولا ينحاز لطرف دون الآخر، بل يعمل بكل جهد في محاولة للسيطرة على المشكلة، واقتلاعها من جذورها.
إن التعامل مع سلوك المراهقين وفهم إشاراتهم غير اللفظية ليس معضلة، بل يحتاج فقط إلى وعي وصبر، من خلال مراقبة دون تجسس واقتحام خصوصياته، وتفهم دون إصدار أحكام سابقة.
من خلال التعامل الصحي مع سلوكيات المراهق، فقد تتحول تلك الفترة العمرية من كونها مليئة بالمشاعر السلبية إلى فترة أفضل لبناء مساحة تقارب ناضجة بين الوالدين والأبناء.


مقال رائع
شكرا